الرئيسية / اسلاميات عامة / حفظ الاسرار وافشائها.. حفظ الأسرار خلق الأبرار وإفشاؤها خلق الأشرار

حفظ الاسرار وافشائها.. حفظ الأسرار خلق الأبرار وإفشاؤها خلق الأشرار

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

حفظ الاسرار وافشائها..  حفظ الأسرار خلق الأبرار. وإفشاؤها خلق الأشرار

حفظ الاسرار وافشائها..  حفظ الأسرار خلق الأبرار وإفشاؤها خلق الأشرار
حفظ الاسرار وافشائها.. حفظ الأسرار خلق الأبرار وإفشاؤها خلق الأشرار

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وسلم .

أما بعد :

إن حفظ السر وكتمانه قاعدة عظيمة في التعامل مع الإخوان والخلان ، وهي من أخلاق أهل الإيمان ، وإفشاؤها دون ضرورة مبيحة ولا حاجة ملحة من أخلاق أهل النفاق ، وقد جاءت الأدلة تترا في الحث عليه وبيان فضله ، والتحذير من التخلق به وخاصة أسرار البيوت فإن الذي ينشرها من شر الخلق عند الله.

ودليل هذه القاعدة قول الله تعالى: ] وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ((3) سورة التحريم .

ووجه الدلالة منها أن النبي e أسرّ ببعض الأمر إلى إحدى زوجاته وطلب منها أن لا تخبر أحدا ، ولكنها أخبرت به بعض زوجاته ، ولم تحفظه فأخبر الله نبيه بذلك ، وأطلعه أنها لم تحفظ سره ، فعاتبها بذلك .

قال الشيخ السعدي – رحمه الله -: وقوله : ] وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ( قال كثير من المفسرين: هي حفصة أم المؤمنين – رضي الله عنها- أسر لها النبي e حديثًا، وأمر أن لا تخبر به أحدًا، فحدثت به عائشة – رضي الله عنهما- وأخبره الله بذلك الخبر الذي أذاعته، فعرفها e ببعض ما قالت، وأعرض عن بعضه، كرمًا منه e وحلمًا، فـ { قَالَتْ } له : { مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا } الخبر الذي لم يخرج منا؟ { قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ } الذي لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى.

وقد بوب البخاري – رحمه الله – في صحيحه على حديث أنس t الآتي قريبا (باب حفظ السر) : قال الحافظ ابن حجر في الفتح :(11/82) قوله حفظ السر : أي ترك إفشائه :

قال بعض العلماء كأن هذا السر كان يختص بنساء النبي e وإلا فلو كان من العلم ما وسع أنسا كتمانه .

وقال بن بطال الذي عليه أهل العلم أن السر لا يباح به إذا كان على صاحبه منه مضرة وأكثرهم يقول إنه إذا مات لا يلزم من كتمانه ما كان يلزم في حياته إلا أن يكون عليه فيه غضاضة .

قلت : ( الحافظ ابن حجر ) الذي يظهر انقسام ذلك بعد الموت إلى ما يباح ، وقد يستحب ذكره ولو كرهه صاحب السر كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة أو نحو ذلك ، وإلى ما يكره مطلقا وقد يحرم وهو الذي أشار إليه بن بطال ، وقد يجب كأن يكون فيه ما يجب ذكره كحق عليه كأن يعذر بترك القيام به فيرجى بعده إذا ذكر لمن يقوم به عنه أن يفعل ذلك .

قال ابن بطال – رحمه الله – في شرح صحيح البخاري (9/64): السر أمانة وحفظه واجب ، وذلك من أخلاق المؤمنين ، وقد روى عن أنس أنه قال : خدمت النبي عشر سنين ، فقال :<< احفظ سري تكن مؤمنًا >> . (1).

وروى ابن أبى شيبة في مصنفه : عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله : << إذا التفت المحدث فهي أمانة >> (2) قال المهلب : والذي عليه أهل العلم أن السر لا يباح به إذا كان على المسر فيه مضرة ، وأكثرهم يقول : إنه إذا مات المسر فليس يلزم من كتمانه ما يلزم في حياته إلا أن يكون عليه فيه غضاضة في دينه .

قال الماوردي في أدب الدنيا والدين (1/387) الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي كِتْمَانِ السِّرِّ : اعْلَمْ أَنَّ كِتْمَانَ الْأَسْرَارِ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ النَّجَاحِ ، وَأَدْوَمِ لِأَحْوَالِ الصَّلَاحِ .

رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ e أَنَّهُ قَالَ : << اسْتَعِينُوا عَلَى الْحَاجَاتِ بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ >> (3).

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ t : سِرُّك أَسِيرُك فَإِنْ تَكَلَّمْت بِهِ صِرْت أَسِيرَهُ .

قلت : وكذلك سر أخيك ، أسير وأمانة مستودعة عندك فإن أفشيته صرت أسيره خائنا للأمانة .

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ كُنْ جَوَادًا بِالْمَالِ فِي مَوْضِعِ الْحَقِّ ، ضَنِينًا بِالْأَسْرَارِ عَنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ فَإِنَّ أَحْمَدَ جُودِ الْمَرْءِ الْإِنْفَاقُ فِي وَجْهِ الْبِرِّ ، وَالْبُخْلُ بِمَكْتُومِ السِّرِّ .

وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ : مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَ الْخِيَارُ إلَيْهِ ، وَمَنْ أَفْشَاهُ كَانَ الْخِيَارُ عَلَيْهِ .

قلت : كذلك ينبغي أن تكتم سر إخوانك كما تحب أن تكتم ويكتم سرك ، ولا تكون مؤمنا حقا كامل الإيمان حتى تحب له ذلك ، ويحزنك أن يُفشى سره كما يحزنك أن يفشى سرك ..

وَقَالَ بَعْضُ الْفُصَحَاءِ : مَا لَمْ تُغَيِّبْهُ الْأَضَالِعُ فَهُوَ مَكْشُوفٌ ضَائِعٌ .

وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ ، وَهُوَ أَنَسُ بْنُ أُسَيْدٍ :

وَلَا تُفْشِ سِرَّك إلَّا إلَيْك … فَإِنَّ لِكُلِّ نَصِيحٍ نَصِيحَا

فَإِنِّي رَأَيْتُ وُشَاةَ الرِّجَالِ … لَا يَتْرُكُونَ أَدِيمًا صَحِيحَا

قلت : كذلك ينبغي أن تكتم سر إخوانك كما تحب أن تكتم ويكتم سرك ، ولا تكون مؤمنا حقا كامل الإيمان حتى تحب له ذلك ، ويحزنك أن يُفشى سره كما يحزنك أن يفشى سرك ..

وَكَمْ مِنْ إظْهَارِ سِرٍّ أَرَاقَ دَمَ صَاحِبِهِ ، وَمَنَعَ مِنْ نَيْلِ مَطَالِبِهِ ، وَلَوْ كَتَمَهُ كَانَ مِنْ سَطْوَتِهِ آمِنًا ، وَفِي عَوَاقِبِهِ سَالِمًا ، وَلِنَجَاحِ حَوَائِجِهِ رَاجِيًا .

وَقَالَ أَنُوشِرْوَانَ : مَنْ حَصَّنَ سِرَّهُ فَلَهُ بِتَحْصِينِهِ خَصْلَتَانِ : الظَّفَرُ بِحَاجَتِهِ ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ السَّطَوَاتِ .

وَإِظْهَارُ الرَّجُلِ سِرَّ غَيْرِهِ أَقْبَحُ مِنْ إظْهَارِهِ سِرَّ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَبُوءُ بِإِحْدَى وَصْمَتَيْنِ : الْخِيَانَةُ إنْ كَانَ مُؤْتَمَنًا أَوْ النَّمِيمَةُ إنْ كَانَ مُسْتَوْدَعًا .

فَأَمَّا الضَّرَرُ فَرُبَّمَا اسْتَوَيَا فِيهِ وَتَفَاضَلَا ، وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ ، وَهُوَ فِيهِمَا مَلُومٌ .

وَفِي الِاسْتِرْسَالِ بِإِبْدَاءِ السِّرِّ دَلَائِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ مَذْمُومَةٍ : إحْدَاهَا : ضِيقُ الصَّدْرِ وَقِلَّةُ الصَّبْرِ ، حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يَتَّسِعْ لِسِرٍّ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَبْرٍ .

وَالثَّانِيَةُ : الْغَفْلَةُ عَنْ تَحَذُّرِ الْعُقَلَاءِ ، وَالسَّهْوُ عَنْ يَقِظَةِ الْأَذْكِيَاءِ

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : انْفَرِدْ بِسِرِّك وَلَا تُودِعْهُ حَازِمًا فَيَزِلَّ ، وَلَا جَاهِلًا فَيَخُونَ .

قلت : انفرد بسر أخيك كما تنفرد بسر نفسك ، ولا تبديه عاقلا فيزل ، ولا جاهلا فيخون ، فتصبح على ما فعلت نادما .

وَالثَّالِثَةُ : مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْغَدْرِ ، وَاسْتَعْمَلَهُ مِنْ الْخَطَرِ .

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : سِرُّك مِنْ دَمِك فَإِذَا تَكَلَّمْت بِهِ فَقَدْ أَرَقْتَهُ .

قلت : وكذلك سر أخيك من نفسك ودمك ..

وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ الْأَسْرَارِ مَا لَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ مُطَالَعَةِ صَدِيقٍ مُسَاهِمٍ ، وَاسْتِشَارَةِ نَاصِحٍ مُسَالِمٍ

فَلْيَخْتَرْ الْعَاقِلُ لِسِرِّهِ أَمِينًا إنْ لَمْ يَجِدْ إلَى كَتْمِهِ سَبِيلًا ، وَلْيَتَحَرَّ فِي اخْتِيَارِ مَنْ يَأْتَمِنُهُ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْدِعُهُ إيَّاهُ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى الْأَمْوَالِ أَمِينًا كَانَ عَلَى الْأَسْرَارِ مُؤْتَمَنًا .

وَالْعِفَّةُ عَنْ الْأَمْوَالِ أَيْسَرُ مِنْ الْعِفَّةِ عَنْ إذَاعَةِ الْأَسْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُذِيعُ سِرَّ نَفْسِهِ بِبَادِرَةِ لِسَانِهِ وَسَقَطِ كَلَامِهِ ، وَيَشُحُّ بِالْيَسِيرِ مِنْ مَالِهِ ، حِفْظًا لَهُ وَضَنًّا بِهِ ، وَلَا يَرَى مَا أَذَاعَ مِنْ سِرِّهِ كَبِيرًا فِي جَنْبِ مَا حَفِظَهُ مِنْ يَسِيرِ مَالِهِ مَعَ عِظَمِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ .

فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ أُمَنَاءُ الْأَسْرَارِ أَشَدَّ تَعَذُّرًا وَأَقَلَّ وُجُودًا مِنْ أُمَنَاءِ الْأَمْوَالِ .وَكَانَ حِفْظُ الْمَالِ أَيْسَرَ مِنْ كَتْمِ الْأَسْرَارِ ؛ لِأَنَّ إحْرَازَ الْأَمْوَالِ مَنِيعَةٌ وَإِحْرَازَ الْأَسْرَارِ بَارِزَةٌ يُذِيعُهَا لِسَانٌ نَاطِقٌ ، وَيُشِيعُهَا كَلَامٌ سَابِقٌ .

قلت : هذا بالنسبة لسر نفسك أما سر غيرك من أخوانك فلا يجوز بحال أن تفشيه لأحد مهما كان … إلا بإذنهم ، وإلا اعتبرت خائنا وهي صفة من صفات المنافقين ، وإذا أؤتمن خان .

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْقُلُوبُ أَوْعِيَةُ الْأَسْرَارِ ، وَالشِّفَاءُ أَقْفَالُهَا وَالْأَلْسُنُ مَفَاتِيحُهَا ، فَلْيَحْفَظْ كُلُّ امْرِئٍ مِفْتَاحَ سِرِّهِ .

وَمِنْ صِفَاتِ أَمِينِ السِّرِّ أَنْ يَكُونَ ذَا عَقْلٍ صَادٍّ ، وَدِينٍ حَاجِزٍ ، وَنُصْحٍ مَبْذُولٍ ، وَوُدٍّ مَوْفُورٍ ، وَكَتُومًا بِالطَّبْعِ .فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَمْنَعُ مِنْ الْإِذَاعَةِ ، وَتُوجِبُ حِفْظَ الْأَمَانَةِ ، فَمَنْ كَمُلَتْ فِيهِ فَهُوَ عَنْقَاءُ مُغْرِبٍ .وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ : قُلُوبُ الْعُقَلَاءِ حُصُونُ الْأَسْرَارِ .

وَلْيَحْذَرْ صَاحِبُ السِّرِّ أَنْ يُودِعَ سِرَّهُ مَنْ يَتَطَلَّعُ إلَيْهِ، وَيُؤْثِرُ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ طَالِبَ الْوَدِيعَةِ خَائِنٌ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ : لَا تُنْكِحْ خَاطِبَ سِرِّك .

وَقَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ : لَا تَدَعْ سِرًّا إلَى طَالِبِهِ مِنْك فَالطَّالِبُ لِلسِّرِّ مُذِيعُ وَلْيَحْذَرْ كَثْرَةَ الْمُسْتَوْدَعِينَ لِسِرِّهِ فَإِنَّ كَثْرَتَهُمْ سَبَبُ الْإِذَاعَةِ ، وَطَرِيقٌ إلَى الْإِشَاعَةِ ؛ لِأَمْرَيْنِ :

أَحَدُهُمَا أَنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مُعْوِزٌ ، وَلَا بُدَّ إذَا كَثُرُوا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِهَا .

وَالثَّانِي : أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجِدُ سَبِيلًا إلَى نَفْيِ الْإِذَاعَةِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ ، فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ ذَنْبٌ ، وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ عَتْبٌ .

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : كُلَّمَا كَثُرَتْ خِزَانُ الْأَسْرَارِ ازْدَادَتْ ضَيَاعًا.

وَقَدْ قَالَ آخر : مَنْ أَفْشَى سِرَّهُ كَثُرَ عَلَيْهِ الْمُتَأَمِّرُونَ .

فَإِذَا اخْتَارَ وَأَرْجُو أَنْ يُوَفَّقَ لِلِاخْتِيَارِ ، وَاضْطَرَّ إلَى اسْتِيدَاعِ سِرِّهِ وَلَيْتَهُ كُفِيَ الِاضْطِرَارُ ، وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ لَهُ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِيهِ بِالتَّحَفُّظِ وَالتَّنَاسِي لَهُ حَتَّى لَا يَخْطِرَ لَهُ بِبَالٍ وَلَا يَدُورَ لَهُ فِي خَلَدٍ بحال.ثُمَّ يَرَى ذَلِكَ حُرْمَةً يَرْعَاهَا وَلَا يُدِلُّ إدْلَالَ اللِّئَامِ .

وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا أَسَرَّ إلَى صَدِيقٍ لَهُ حَدِيثًا ثُمَّ قَالَ : أَفَهِمْت ؟ قَالَ : بَلْ جَهِلْتُ .قَالَ : أَحَفِظْت ؟ قَالَ : بَلْ نَسِيتُ .وَقِيلَ لِرَجُلٍ : كَيْفَ كِتْمَانُك لِلسِّرِّ ؟ قَالَ : أَجْحَدُ الْخَبَرَ وَأَحْلِفُ لِلْمُسْتَخْبِرِ .

وَحُكِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ تَذَاكَرَ النَّاسُ فِي مَجْلِسِهِ حِفْظَ السِّرِّ فَقَالَ ابْنُهُ :

وَمُسْتَوْدَعِي سِرًّا تَضَمَّنْتُ سِرَّهُ …فَأَوْدَعْتُهُ مِنْ مُسْتَقَرِّ الْحَشَى قَبْرَا

وَلَكِنَّنِي أُخْفِيهِ عَنِّي كَأَنَّنِي مِنْ الدَّهْرِ… يَوْمًا مَا أَحَطْتُ بِهِ خُبْرَا

وَمَا السِّرُّ فِي قَلْبِي كَمَيْتٍ بِحُفْرَةٍ … لِأَنِّي أَرَى الْمَدْفُونَ يَنْتَظِرُ النَّشْرَا .اه

حفظ السر وعدم إفشائه . وهو من الأمانات التي يجب حفظها وكتمانها والمُفشي للسر خائنٌ للأمانة، وهي من خصال المنافقين.

فعن أبي هريرة t أن رسول الله e قال: << آية المنافق ثلاثٌ، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ) (4) .

وسرٌ يجب كتمانه وعدم التحدث به للناس جميعاً أو اشتاتاً . وهذا من حرص الشرع وعنايته بحفظ الناس لأسرارهم، حيث عدَّ التفات المتكلم على وجه التأكد من خلو المكان، قائماً مقام قوله: هذا سرٌ فاكتمه عني . .

من فوائد (كتمان السر)

(1) به يتمكّن الإنسان من قضاء مصالحه، ولا يواجه ما يعوقه عنها.

(2) كتمان السّرّ لون من ألوان الأمانة، والأمانة من علامات الإيمان.

(3) كتمان السّرّ لون من الوقار والاحتشام ودليل على الرّزانة والوقار.

(4) هو فضيلة إنسانيّة بها يرتقي المرء في درجات الكمال.

(5) يوثّق صلة الإنسان بأخيه حين يحفظ أسراره.

(6) حين يثق الإنسان بأنّ صاحبه يحفظ أسراره يمهّد ذلك له استشارته فيما لا يحبّ أن يطّلع عليه النّاس.

(7) يؤدّي حفظ السّرّ إلى توثيق عرى المحبّة بين الإنسان ومن يحفظ عليه سرّه.

وبوب النووي – رحمه الله – في رياض الصالحين (ج 2/616) ” باب حفظ السر” واستدل لذلك من القرآن بقول الله تعالى : ] وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ( .

ومن السنة عن أبي سعيد الخدري t قال: قال رسول الله e :<< إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يقضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها >> رواه مسلم (1437).

وعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ e فَقَالَ النَّبِيُّ e :<< مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ عَنْ شمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَبْكِينَ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ؟

فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ e حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ e فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ ، وَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي فَبَكَيْتُ .فَقَالَ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ >> (5).

وفي البخاري برقم (4005) عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ e قَدْ شَهِدَ بَدْرًا تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ قَالَ عُمَرُ فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ قَالَ سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ فَقَالَ : قَدْ بَدَا لِي أَنْ لاَ أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا قَالَ عُمَرُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ e فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ. قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ إِلاَّ أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ e قَدْ ذَكَرَهَا فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ e وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا.(6).

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه لرياض الصالحين (2/617)قال الإمام النووي -رحمه الله- ( باب حفظ السر ) والسر هو ما يقع خفية بينك وبين صاحبك ولا يحل لك أن تفشي هذا السر أو أن تبينه لأحد سواء قال لك لا تبينه لأحد أو علم بالقرينة الفعلية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد أو علم بالقرينة الحالية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد .

مثال الأول : اللفظ أن يحدثك بحديث ثم يقول لا تخبر أحدا هو معك أمانة .

ومثال الثاني : القرينة الفعلية أن يحدثك وهو في حال تحديثه إياك يلتفت يخشى أن يكون أحد يسمع لأن معنى التفاته أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد.

ومثال الثالث : القرينة الحالية أن يكون هذا الذي حدثك به أو أخبرك به من الأمور التي يستحي من ذكرها أو يخشى من ذكرها أو ما أشبه ذلك فلا يحل لك أن تبين وتفشي هذا السر.

ثم استدل المؤلف – رحمه الله – لذلك بقوله تعالى: ]وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ( يعني إذا عاهدتم على شيء بلسان الحال أو بلسان المقال فإنه يجب عليكم أن توفوا بالعهد ، ومن العهود الشروط التي تقع بين الناس في الشراء والإجارة والاستئجار والرهن وغير ذلك فإن هذه الشروط من العهد .

وكذلك ما يجرى بين المسلمين والكفار من العهد فإنه يجب على المسلمين أن يوفوا به والمعاهدين من الكفار بيّن الله في سورة التوبة أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام قسم: لا يزالون يوفون بالعهد فهؤلاء يجب أن نوفي بعهدهم …

ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري t أن النبي e قال:<< << إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا>> مسلم (14379).

فهنا إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه يعني بذلك الزوجة فيصبح ينشر سرها أو هي أيضا تصبح تنشر سره ، فيقول فعلت في امرأتي البارحة كذا وفعلت كذا – والعياذ بالله – فالغائب كأنه يشاهد كأنه بينهما في الفراش – والعياذ بالله – يخبره بالشيء السر الذي لا تحب الزوجة أن يطلع عليه أحد ، أو الزوجة كذلك تخبر النساء بأن زوجها يفعل بها كذا.. وكذا ؛ وكل هذا حرام ولا يحل ، وهو من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة فالواجب أن الأمور السرية في البيوت وفي الفرش وفي غيرها تحفظ وألا يطلع عليها أحد أبدا فإن من حفظ سر أخيه حفظ الله سره فالجزاء من جنس العمل .

قال المؤلف – رحمه الله تعالى – في باب حفظ السر فيما نقله عن ثابت عن أنس t خادم رسول الله e أن النبي e مر به وهو يلعب مع الصبيان فسلم عليهم يعني سلم على الصبيان وهم يلعبون لأن رسول الله e كان أحسن الناس خلقا فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم ثم دعا أنس بن مالك t وأرسله في حاجة فأبطأ على أمه – وأمه هي أم سليم امرأة أبي طلحة – فلما جاء إليها سألته ما الذي أبطأ بك قال بعثني النبي e في حاجة يعني أرسلني بها. قالت ما حاجته ؟ قال : ما كنت لأخبر بسر رسول الله e فقالت : لا تخبرن أحدا بسر رسول الله e . قال أنس لثابت وكان ملازما له لو كنت مخبرا أحدا بذلك لأخبرتك به . أي بالحاجة التي أرسله النبي e بها .

ففي هذا الحديث فوائد: … أذكر ما يناسب المقام فقط.

سادسا : أنه لا يجوز للإنسان أن يبدى سر شخص حتى لأمه وأبيه فلو أن إنسانا أرسلك في حاجة ثم قال لك أبوك ما الذي أرسلك به لا تخبره ولو كان أباك ، أو قالت أمك ما الذي أرسلك به لا تخبرها ولو كانت أمك لأن هذا من أسرار الناس ولا يجوز إبداؤها لأحد .

سابعا : حسن تربية أم سليم لابنها حيث قالت : لا تخبرنّ أحدا بسر رسول الله e وإنما قالت له ذلك مع أنه لم يخبرها ولم يخبر غيرها تأييدا له وتثبيتا له وإقامة للعذر له لأنه أبى أن يخبرها بسر رسول الله e فقالت لا تخبرنّ به أحدا . كأنها تقول أنا أوافقك على هذا فاستمسك به. نقلته باختصار .

وبوب البخاري في الأدب المفرد : باب إفشاء السر- (ح 685/886) عن عمرو بن العاص قال : << عجبت من الرجل يفرّ من القدر، وهو مواقعه! ويرى القذاة في عين أخيه، ويدع الجذع في عينه! ويخرج الضغن من نفس أخيه، ويدع الضغن في نفسه! وما وضعت سرّي عند أحد فلمتُه على إفشاءه، وكيف ألومه وقد ضقت به ذراعاً؟ >>.قال الشيخ الألباني: (صحيح الإسناد).

ومن جملة حفظ السر وعدم إفشائه ما يكون من حديث المجالس ؛ فإن المجالس بالأمانة : فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ – رضي الله عنهما – قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ e:<< الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ ، إِلاَّ ثَلاَثَةَ مَجَالِسَ : مَجْلِسٌ يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ حَرَامٌ ، وَمَجْلِسٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ فَرْجٌ حَرَامٌ ، وَمَجْلِسٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ مَالٌ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ >>.

و لفظ أَبي داود :<< الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ ، إِلاَّ ثَلاَثَةَ مَجَالِسَ : سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ ، أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ ، أَوِ اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ >>(7).

فالمسلم يجالس المسلم القريب والبعيد فيكون جلوسهما بأمان الله ، فلا يحل لأحدهما أن يلتفت يمينا ولا شمالا، ولا يجوز له أن يفشي عليه سره ، وما يكره بغير حق، لأن حفظ السر من صفات المسلم الأمين الذي خرج من قلبه النفاق. فالمسلم الحق لا يفشي سرا إأتمنه عليه أحد ، أو عاهد عليه أحدا ، وحفظه للسر يعتبر دليل رجولته وشهامته، وقوة شخصيته ، ومتانة خلقه ، وهذا ماكان عليه صفوة رجال الإسلام وشبابه ، ممن ارتشفوا رحيق هـدي النبـوة ، وتمثلته نفوسهم فكان خلقا بارزا من أخـلاقهم ، وعادة حميدة من أجمل عاداتهم .

وموقف أبي بكر وعثمان من عمر حين عرض عليهما الزواج من ابنته حفصة بعد أن تأيمت ، وكتما عنه سر رسول الله e من أنصع الشواهـد على تحل الصحابة الأولين بفضيلة حفظ السر والوفاء بالعهد .

روى البخاري عن ابن عمر عن عمر حين تأيمت بنته حفصة ، قال : لقيت عثمان بن عفان t فعرضت عليه حفصة فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر .

قال : سأنظر في أمري هذا ، فلبثت ليالي ثم لقيني ، فقال : قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا ، فلقيت أبا بكـر الصديق t فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر ، فصمت أبو بكر ، فلم يرجع إلي شيئا فكنت عليه أوجد مني على عثمان ، فلبثت ليالي ثم خطبها النبي فأنكحتها إياه ، فلقيني أبو بكر فقال : لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا ؟ فقلت : نعم .قال : فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي ذكرها ، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ، ولو تركها النبي لقبلتها. مضى تخريج الحديث قريبا.

ولم تقتصر فضيلة حفظ السر والوفاء بالعهد على الرجال من السلف بل شملت النساء والأطفال الذين عَبُّو من هدي الإسلام واستنارت قلوبهم وعقولهم بنوره .

ونجد ذلك فيما يرويه الإمامان البخاري ومسلم – رحمهما الله – عن أنس t قال : أتى عليَ رسول الله ، وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا ، فبعثني في حاجته فأبطأت على أمي ، فلما جئت قالت ، ما حبسك ؟ فقلت : بعثني رسول الله e لحاجة . قالت : ما حاجته ؟ قلت : إنهـا سر . قالت : لا تخبرنّ بسـر رسول الله أحدا، قال أنس t : والله لو حدثت به أحد لحدثتك بـه يا ثابت >> مضى تخريجه قريبا.

لقد رأت أم أنس ابنها حريصا على حفظ سر رسول الله e فعززت فيه هذا الحرص إذ طلبت منـه ألا يخبر بسر رسول الله أحدا، توكيدا وتربية ، فلم يحدث بـه أحدا حتى ثابت البناني أخص تلامذته ، ولم يدفع الأم حب الإطلاع ـ كما يقولون ـ إلى استدراج ابنها الصغير لتعرف ذلك السر الذي طواه عنها، وهذه هي تربية الإسلام للجيل الأول خير الأجيال خلقا ووفاء.

إن إفشاء الأسرار لمن أسوء العادات التي يبتلي بها الإنسان ، ذلك أنه ليس كل ما يعلم يقال في هذه الحياة ، وليس كل ما يسمع ينقل ، وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع، فهناك أمور تقضي الرجولة والمروءة ، والشهامة ، والشرف والغيرة أن تبقى في طي الكتمان ، وفي خزائن الأسرار .

وقد أقر النبي e عمر في قوله : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، قالها لحاطب حين أباح بسر رسول الله [8] . لخطر إباحة السر .

وقد صدّقه النبي في المبرر الذي قـدمه ، وبخاصة إذا كانت هذه الأمور مثل ذلك الأمـر الذي أخبر به حاطب ، أو من متعلقات الحياة الزوجية ، أو أسرار البيوت ، ولا ينشر مثل هذه الأمور على أسماع النّاس إلا رجل في عقله لوثة من الجنون ، أو في شخصيته ميوعة وديوثة وتفاهة ، ومن ثم كان هذا الضرب من الرجال الثرثارين في زمرة الأشرار ، بل من شر النّاس عند الله كما بين رسول الله ذلك في قولـه : << إن من شر النّاس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ، ثم ينشر سرهما >>[ 9].

لذلك ينبغي على المسلم أن يحفظ سره فلا يضيق به صدره ، ويحفظ سره إخوانه الذي وثقوا به فجعلوا موضع أمانة ومستودع أسرارهم ، ومن حفظ سر الناس حفظوا سره وامن أفشاه وجد من يفشي سره والجزاء من جنس العمل .

كتب أبو بكر يوسف لعويسي

الهوامش :

——————-

1- قال الحافظ ابن حجر في الفتح ( 11 / 82 ): أخرجه أبو يعلى والخرائطي وفيه علي بن زيد وهو صدوق كثير الأوهام ، وقد أخرج أصله الترمذي وحسنه، ولكن لم يسق هذا المتن بل ذكر بعض الحديث ثم قال وفي الحديث طول .

2- وأخرجه أبو داود (4/267) رقم (ح4868) ، والترمذي (4/341)(ح1959) وقال : حسن . وأحمد (3/379) والبيهقي (10/247 )و الطبراني في الأوسط (3/56)(ح2458) من حديث جابر بلفظ << إذا حَدَّثَ الرجلُ الحديثَ ثم التفت فهي أمانةٌ >> وأبو يعلى (4/148)(ح2212) من حديث أنس قال الشيخ الألباني : ( حسن ) انظر حديث رقم : (486) في صحيح الجامع .

3- صحيح الجامع ( 943) << استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود>>.

(صحيح) [عق عد طب حل هب] عن معاذ بن جبل “الخرائطي في اعتلال القلوب [عن عمر] خط [عن ابن عباس] الخلعي في فوائده” عن علي. والصحيحة (1453).

4رواه البخاري(33)، ومسلم(59)، وأحمد(8470)، والترمذي(2631)، والنسائي (5021).

5-متفق عليه ، أخرجه البخاري برقم (3623- 3624 )ومسلم (4488).

6- وأخرجه أحمد في المسند(1/12)(74)والنسائي (3259)والبزار في مسنده (1/227)(116) وغيرهم.

7 ـ أخرجه أحمد(3/342)وأبو داود (2 /297 )( 4869) وقال الألباني :ضعيف ، الضعيفة ( ح1909).

وقوله فيه : << المجالس بالأمانة >> هذا حسن ، انظر حديث رقم 🙁 2330) في صحيح الجامع قاله الشيخ الألباني .

8 – رواه البخاري كتاب الجهاد [ح 3007 -3081].

9 – رواه مسلم كتاب النكاح [ح35233524].

Your Website Title

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *